عبد الملك الجويني

456

نهاية المطلب في دراية المذهب

من ذلك ، أنه إذا ظهر الغرضُ ، وانضم إليه أن النسوان غير مقصودين بأعيانهم ، فلا مبالاة بهم ، وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنبيّت بلد العدوّ وفيه النساء والصبيان " ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هم منهم " ( 1 ) . 11342 - أما إذا تعلّق غرضٌ بقتال النساء ، وكانوا مقصودين ، فالمقصود يتفصل بصورٍ نعدّها . ثم نذكر بعدها روابط : فإن تترسوا بصبيانهم ، ونسوانهم ، وهم مقيمون على مقاتلتنا ، وربما يزحفون إلينا ؛ فنقصدهم ولا نبالي بإصابة الأسلحة النساءَ والصبيان . وإن كانوا يدفعون عن أنفسهم ، ولا يقاتلوننا ، واتخذوا النساء والصبيان تِرَسَةً وجَنَناً ( 2 ) ، وكان لا يمكن قصد الرجال إلا بإصابة التِّرسَة ، فقد ذكر الأصحاب قولين ، واختلفوا في صيغتهما : فقال القاضي وطائفة : في جواز قتل النساء والصبيان قولان : [ أحدهما - يجوز قصدهم ، كما يجوز نصب المنجنيق ، والثاني - المنع ] ( 3 ) فإن المترّسين بهم ليسوا مقاتلين .

--> = مسلم : الجهاد والسير ، باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام ، ح 3012 ) . ( 1 ) حديث " أنبيّت بلد العدو وفيه النساء " متفق عليه من حديث الصَّعْب بن جَثَّامَة ( البخاري : الجهاد والسير ، باب أهل الدار يبيتون فيصاب الولدان والذراري ، ح 1730 ، مسلم : الجهاد والسير ، باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد ، ح 1745 ) . ( 2 ) التِّرسة جمع ترس ، والجنن : الساتر . ( معجم ) . ( 3 ) ما بين المعقفين زيادة من المحقق ، على ضوء المعنى والسياق ، واستئناساً بما قاله الرافعي في الشرح الكبير ، وتمام عبارته : " لو تترسوا بالنساء والصبيان ، نظر : . . . وإن لم تكن ضرورة إلى الرمي والضرب ، بأن كانوا يدفعون عن أنفسهم ، واحتمل الحال تركهم . فطريقان : أظهرهما أن فيه قولين : أحدهما - أنه يجوز قصدهم ، كما يجوز نصب المنجنيق على القلعة ، وإن كان يصيبهم ، وأيضاً لو امتنعوا بما صنعوا ، لا تخذوا ذلك ذريعهَ إلى تعطيل الجهاد . والثاني - المنع ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان ، ونحن في غنية عنه والحالة هذه ، وهذا أصح عند القفال ، وكذلك حكاه الروياني - رحمه الله - ويميل إلى ترجيح الأول . والطريق الثاني - القطع بالجواز ، وردّ المنع إلى الكراهة ، ويحنر هذا عن أبي إسحاق ، وقد تورع في حكاية الكراهة عنه ، وذكر أن عنده يستحب التوقي عنه لا غير ، ومن أصحاب هذه الطريقة من قال : في الكراهية قولان " ( ر . الشرح الكبير : 11 / 397 ، 398 ) .